قال والدي إنه سيوقف عني مصاريف الجامعة إن لم أحضر زفاف أختي
حد يبعد عنك الغيم بس. أعدت تشغيل الفيديو ثلاث مرات. في المرة الرابعة لم أبك. في المرة الرابعة ضحكت فقط.
تعلمت شيئا بطيئا أثناء كل ذلك أن النضج لا يعني أن يغدو الماضي بلا أسنان. الماضي سيعضك حين تنسى سيذكرك بأنك كنت هناك فريسة سهلة. لكن النضج يعني أن تملكي طلاءة للعضة وألا تدعيها تتعفن في داخلك. وصرت أعرف كيف أقول لا دون أن أرفع صوتي وكيف أقول نعم دون أن أغرق. حين حاولت ذات مرة أن أشرح لصديقة جديدة لماذا لا أتصل بأبي كل أسبوع قلت لأني تعلمت أزوره حين أشتاق لا حين أشعر بالذنب. قالت وده بيشتغل قلت أحيانا. وابتسمنا.
في منتصف عامي الأول في العمل تلقيت دعوة لإلقاء كلمة قصيرة في كلية علوم الحاسب. قالوا إنهم يريدون خريجة شابة تروي تجربتها قصة ملهمة. ضحكت في قلبي من العبارة. القصص لا تكون ملهمة إلا حين يختار الراوي زاوية مضيئة. وأنا لم أعد أكره الظلال تعلمت كيف أجلس فيها قليلا. على المنصة الصغيرة في الكلية رأيت في الصف الثالث فتاة تشبهني قبل سنوات كتفاها منكمشان عيناها تلتقطان ما يمر أمامها كمن يصنع منه خيطا خفيا. حين انتهيت من كلمتي جاءتني تلك الفتاة. قالت بابا مش مقتنع إني أكمل... بيقول ده مش شغل بنات. نظرت إليها. لم أخبرها أن عليها أن تحارب كأنها وحدها لأن الحقيقة أنها لن تكون وحدها. قلت لها فقط اعملي صوت لنفسك. لو ما سمعهوش ما تسكتيش. هزت رأسها وابتسمت ابتسامة حذرة لكنها كانت بداية. في الطريق للخارج وجدتني أرسل رسالة قصيرة لأبي إزيك عامل إيه رد بعدها بساعة الحمد لله. إنت كويسة قلت كويسة. قال ربنا يوفقك. أغلقت الهاتف وابتسمت. لم يكن هذا هو الحلم الكبير الذي حلمت به طفلة تبحث عن عينين تريانها. لكنه كان كافيا لامرأة رأت نفسها أخيرا.
ذات مساء كانت السماء تمطر مطرا دافئا من النوع الذي يعلن الصيف مشيت في الشارع دون مظلة. رأيت وجهي في زجاج المحلات ليس الوجوه الكاملة بل الملامح التي تتقطع على إيقاع الخطى والضوء. تذكرت ټهديد أبي القديم احضري الفرح أو تفقدي مصاريفك. ضحكت بصوت صغير لم يسمعه أحد سواي. ليس لأن ټهديدا قديما صار الآن بلا مخالب بل لأنني اكتشفت الحقيقة الأعمق لم يكونوا يملكون آخر خطوة. الخطوة الأخيرة لي أنا. كانت دائما لي لكنها احتاجت سنوات طويلة من الصمت والچرح والعمل لكي أمد قدمي وأضعها على الأرض في المكان الصحيح.
في البيت وضعت الحقيبة على الأرض أعددت شايا بسيطا وجلست على الكرسي القريب من النافذة. المجلد على الرف. لا يضيء ولا ېصرخ. مجرد جلد أزرق يغطي أوراقا فقدت الآن وظيفتها الأولى. لم أعد بحاجة إلى أن أرفعه كدرع. صار بإمكاني أن أفتحه كألبوم. قلبت ورقة أو اثنتين. ابتسمت للطفلة التي كنتها للفتاة التي كبرت في العتمة للمرأة التي قررت أن تفتح نافذتها بنفسها. أغلقت المجلد. أطفأت المصباح. تركت نافذتي مفتوحة قليلا. الهواء دخل وهو يحمل رائحة شجر رطب وأصوات مدينة لا تنام. وضعت رأسي إلى الخلف وأغمضت عيني.
في مكان ما لم أكن الظل. لم أكن البطلة أيضا. كنت فقط أنا وهذا كان يكفي. ومن يومها لم أختف مرة أخرى.