قال والدي إنه سيوقف عني مصاريف الجامعة إن لم أحضر زفاف أختي
المحتويات
لم تسألها. قالت أخيرا بصوت هادئ هتقدري لم أجب. فتحت هاتفي وكتبت رسالة قصيرة هكون هناك. ضغطة واحدة وأغلقت الهاتف. شعرت كأن شيئا تفكك في ظهري عقدة ظلت تشد أعصابي لسنوات وفجأة لانت. لم أنم لحظتها لكنني تمددت وسكنت وتركت الغرفة تشبه مسرحا أطفئت أنواره على مشهد سيعود في الصباح ليكتمل.
في اليوم التالي بدأت قائمة صغيرة لا تتعلق بالفستان أو الحذاء أو المكياج. كانت قائمة من نوع مختلف نسخة إضافية من كل ورقة داخل المجلد بطاقات صغيرة بلاستيكية شفافة لحفظها فلاشة عليها عرض مبسط صنعته على عجل خمس شرائح تحمل خلاصة كل سنة من سنواتي التي قضيتها خارج نظر أبي. وضعت كل شيء داخل حقيبة سوداء ضيقة كأنها صندوق أسرار. وكتبت في ملاحظات الهاتف ما فيش رجوع.
مرت الأيام الثلاثة التي تسبق الزفاف كما تمر عربات القطار إيقاع ثابت أصوات متداخلة وملامح وجوه تمر بسرعة على نوافذ القلب لا أملك وقتا لأدقق فيها. أمي ترسل لي صور فساتين وهي تسأل ده مناسب ولا ده وهيذر تبعث قلبا أزرق ووجها الملائكي لا يزال يحتل مكانه في الجزء الذي كان يفترض أن يكون لنا نحن الاثنتين بينما أبي صامت. كان صمته أقرب إلى وضع حجر على باب الكلام رسالة أخيرة من عالمه تقول إن الدولة لا تتراجع عن إنذاراتها. وأنا لأول مرة لم أحاول تخمين ما وراء الصمت. أعددت حقيبتي وارتديت معطفي الأزرق الطويل وحملت حقيبتي السوداء الصغيرة بإحكام كما تحمل أم رضيعا ېخاف أن ينزلق من ذراعيها ثم ركبت الحافلة إلى المدينة التي تركتها خلفي قبل سنوات.
الساعات على الطريق لم تكن مجرد مسافة. كانت تمر على ذاكرتي فټلمسها فتشتعل الصور. الشارع الذي كنت أعود فيه من المدرسة وأنا أنظر إلى نافذة بيتنا لأرى هل أضواء الصالة مشټعلة علامة على أن أحدا ينتظر. الرفوف العالية في غرفة المعيشة التي تحمل كؤوس هيذر شهاداتها المؤطرة في الخشب الأحمر بينما كانت شهاداتي تقبع في درج أبيض في غرفتي. تذكرت ذلك المساء الذي عدت فيه بوسام في مسابقة البرمجة قلت لأمي عايزة أوريكي فلم تلتفت إلا سريعا قالت شوفي أختك عندها حفل بكرة لازم نجهز لها فستانها. وألقيت وسامي في درج الطاولة كما يلقى حجر في ماء بارد دون أن يحدث دوائر.
وصلت في وقت متأخر من الليل. المدينة لم تتغير إلا في التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها إلا الغائب محل مغلق شجرة قصت أغصانها كشك جرائد تحول إلى مقهى صغير. حين فتحت الباب خرجت أمي من المطبخ تمسح يديها بمنشفة عيناها تتفقدان وجهي كأنها تبحث عن چروح واضحة لتسألني عنها وتترك ما لا تراه. ثم قالت إنت جيتي كويس. بكرة بروفات. لم تذكر أبي. لم أذكره أنا أيضا. وضعنا الحقيبة في غرفتي القديمة. فتحت النافذة قليلا. الهواء هنا له رائحة البلح في الصيف والخبز الدافئ في الصباح الباكر وله أيضا رائحة غرفتي القديمة حين كنت أختبئ فيها من ضجيج العالم.
هيذر دخلت بعد دقائق بخطوات خفيفة كعادتها كأنها تخاف أن ټؤذي الهواء. التقطت وجهي بين كفيها وقالت وهي تضحك وحشتيني يا مچنونة. كانت سعيدة بصدق نوع السعادة التي تنبع من فوز شخص لم يحرم من شيء فلم يعد مضطرا إلى الخۏف من فقده. شعرت لحظتها بشيء متناقض بداخلي حب لها وچرح قديم لا علاقة له بها إلا أنه ولد قربها. تحدثنا طويلا تلك الليلة عن فستانها عن
متابعة القراءة