قال والدي إنه سيوقف عني مصاريف الجامعة إن لم أحضر زفاف أختي
المحتويات
الصفحة.
أما أبي فلم يتغير مرة واحدة. التغييرات في عالمه كانت تأتي كما تنمو النباتات في الظل ببطء شديد لكن حين تلتفت تفاجأ أنها صارت أعلى من حافة النافذة. كنت أسمعه أحيانا في مكالماته مع أصدقائه يتحدث عن ابنتيه. لا يقول اسمي أولا لكنه لم يعد يقول هيذر وحدها. كان يقول البنات كويسين... الكبيرة اتجوزت والحمد لله... والتانية شغالة في التكنولوجيا... حاجات ذكية كده. ثم يصمت. لم يعد يملك قاموسا كاملا يصفني به لكن الكلمات التي جمعها حتى الآن تكفي كبداية.
في ليلة من ليالي ما قبل التخرج أرسلت لي هيذر رسالة تعالي بكرة على القاعة الصغيرة في الكلية الساعة ستة. لم تشرح. ذهبت. وجدت هيذر وأمي ومعهما علبة كرتونية صغيرة. فتحتها. كانت هناك قطعة كعك بسيطة وبطاقة بيضاء كتب عليها بخط هيذر لصوتك اللي ما بقاش يتكسف. ضحكنا. بكينا. التصقت ضحكاتنا بدموعنا كما يحدث حين تفهم نفوسنا متأخرة ما كان يجب أن تعرفه منذ البداية.
جاء يوم التخرج. وقفت على المنصة الكبيرة والضوء ينساب على وجوه الطلبة كبحر صغير. حين نادوا اسمي صعدت. لم أبحث عنهم في الجمهور. لم أنتظر أن أراهم واقفين يصفقون. كنت أعلم أنهم هنا وأنهم يرونني. كان يكفيني أنني أنا أرى نفسي جيدا بوضوح كاف يجعل كل حافة في داخلي تتوقف عن خدش الأخرى. تسلمت الشهادة عدت إلى مقعدي وقلت في داخلي بهدوء هو ده.
مرت شهور العمل الأولى كأنها فصل جديد في مؤلف طويل. مقر الشركة كان مبنى زجاجيا يعكس المدينة في وجهه كمرآة عملاقة. دخلت في فريق صغير مديرتي كانت امرأة ذات عينين واثقتين وصوت لا يحمل رغبة في فرض نفسه على الغرفة بل في تنظيمها. تعلمت يوما بعد يوم أن أصنع أدواتي بيدي وأن أندس داخل المشكلات كما تدخل اليد في جيب معطف في يوم بارد تبحث عن دفء الحل. وليال كثيرة عدت فيها متأخرة فتحت نافذتي الصغيرة المطلة على الأشجار وصنعت لنفسي كوب شاي ووضعت المجلد على الطاولة. لم أفتحه كثيرا بعد ذلك. صار وجوده كافيا كأنك حين تصل إلى شاطئك الخاص لا تحتاج كل مرة إلى خريطة الرحلة لتصدق أنك هناك.
أبي جاء إلى المدينة مرة. قال إنه عنده موعد قريب وسيعدي علي سلم وخلاص. حين دخل شقتي الصغيرة توقف عند الرف الذي وضعت عليه نباتات صغيرة تلتقط الشمس صباحا. لمس ورقة بلطف غريب عليه وقال بتسقيهم إمتى أخبرته. جلس على الكرسي القريب من النافذة نظر إلى الشارع. قال بعد صمت مش فاكر آخر مرة قعدت لوحدك من غير ما نسأل نحتاج حاجة. وأحسست أن الجملة تحاول أن تقول شيئا أكبر مما تحمل لكنها تعثرت في الطريق. قلت أنا بخير. هز رأسه. قبل أن يغادر وقف عند الباب الټفت وقال دون أن ينظر في عيني لو احتجتي أي حاجة... ما تتصوريش إني مش موجود. كانت تلك طريقته في الاعتذار طريقته التي لا تملك مرونة اللغة لكن فيها صدق اليد التي تفتح وتغلق مرتين قبل أن تدفع.
في عيد ميلادي أرسلت لي هيذر فيديو قصيرا. جمعت فيه صورا لي من السنة الماضية أنا على المنصة أنا في أول يوم عمل أنا أضحك في مقهى صغير أنا أمسك كتابا وأقرأ. في النهاية ظهرت صورة لنا معا ونحن صغار على أرجوحة في الحديقة هي تبتسم وتدفعني وأنا أنظر إلى السماء. كتبت على الفيديو كنت بتبصي لفوق من زمان. كان
لازم
متابعة القراءة