يوم كتب الكتاب
يوم شتوي...
دخلت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، ماسكة إيد أمها.
أول ما شفتني، جريت عليا وقالت
حضرتك الأستاذة منى؟
ابتسمت.
أيوه يا حبيبتي.
طلعت من شنطتها ورقة مطوية.
وقالت
دي رسالة من بابا.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
أنا الراجل اللي حضرتك أنقذتيني من السچن من خمس سنين. النهارده بنتي الأولى على مدرستها، وفتحت مشروع صغير بعد ما رجع حقي. يمكن حضرتك نسيتي اسمي... لكن إحنا عمرنا ما هننسى وقفتك.
قفلت الرسالة وأنا متأثرة.
وفي اللحظة دي...
البنت مدتلي وردة بيضا.
وقالت
بابا قالي أديهالك.
مسكت الوردة، وابتسمت.
وقلت
قولي لبابا إن أجمل هدية إنه بدأ من جديد.
بعدها بأيام...
قررت المؤسسة تعمل منحة مجانية لتدريب الشباب على اكتشاف التزوير وحماية بياناتهم.
وفي أول محاضرة، سألت الحضور
حد فيكم يعرف إيه أول غلطة بتخلي الإنسان يقع ضحېة؟
كل واحد قال إجابة.
وفي الآخر قلت
أول غلطة... إننا نسكت على أول تجاوز ونقول مش مشكلة.
لأن كل ظلم كبير...
بدأ في يوم من الأيام بغلط صغير محدش وقف قدامه.
صفق الحضور.
ولما خلصت المحاضرة، خرجت من القاعة.
بصيت للسماء، وافتكرت اليوم اللي كنت قاعدة فيه قدام المأذون.
ابتسمت وقلت
الحمد لله... لو الزمن رجع بيا، هاخد نفس القرار ألف مرة.
ومشيت...
وأنا عارفة إن قصتي انتهت...
لكن قصص ناس كتير بدأت تستعيد الأمل بسببها.
تمت بحمد الله. بعد عشرين سنة...
كان اسمي بقى معروف في مجال مراجعة الحسابات ومكافحة التلاعب المالي.
وفي يوم، وأنا داخلة المؤسسة، لقيت شابًا في أوائل الثلاثينات واقف عند الباب.
أول ما شافني، ابتسم وقال
حضرتك منى؟
أيوه.
أنا اسمي آدم... ويمكن حضرتك متعرفنيش.
استغربت.
اتفضل.
دخل المكتب، وطلع صورة قديمة.
بصيت فيها...
واټصدمت.
كانت صورة يوم كتب الكتاب.
قلت باستغراب
جبت الصورة دي منين؟
ابتسم وقال
أنا ابن المأذون اللي كان حاضر اليوم ده.
أبويا قبل ما يتوفى كان دايمًا يحكي عن اليوم ده.
ويقول إن في بنت وقفت قدام الظلم وهي لوحدها، وغيرت مفهومه عن معنى القوة.
سكت لحظة، ثم كمل
بسبب الموقف ده... أنا دخلت كلية الحقوق، وبقيت محامي.
وحلمي أشتغل مع مؤسستكم.
ابتسمت.
ولأول مرة أحس إن موقف واحد ممكن يغير مستقبل إنسان ما تعرفوش أصلًا.
قلت له
أهلاً بيك.
ومن النهارده... أنت واحد من فريقنا.
مرّت الشهور...
وكبر الفريق.
وبقينا نساعد مئات الأسر كل سنة.
وفي يوم افتتاح الفرع العاشر للمؤسسة...
وقف أحد الصحفيين وسألني
لو رجع بيكي الزمن...
كنتِ هتغيري حاجة؟
ابتسمت وأنا ببص للفريق اللي واقف ورايا.
وقلت
أيوه...
كنت هبلغ من أول صڤعة.
ما كنتش هستنى.
لأن السكوت على أول ظلم...
هو اللي بيدي الظالم شجاعة يكمل.
ساد الصمت ثواني...
ثم دوّى التصفيق في القاعة.
ابتسمت، ونزلت من على المنصة.
وفي قلبي يقين واحد...
إن العدالة مش مجرد حكم محكمة.
العدالة...
إن إنسان كان فاقد الأمل، ينام وهو مطمن إن حقه رجع.
النهاية الحقيقية... والأخيرة. النهاية
بعد عام من افتتاح الفرع العاشر للمؤسسة، تلقت منى دعوة لحضور احتفال كبير لتكريم الشخصيات التي ساهمت في حماية حقوق المواطنين.
وقفت على المنصة، ولم تتحدث عن نفسها، بل قالت
أنا مش بطلة... أنا واحدة رفضت أسكت. ولو كل واحد رفض الظلم من أول مرة، هنبقى محتاجين محاكم أقل وعدالة أكتر.
صفق الحضور طويلًا.
وبعد انتهاء الحفل،
خرجت من القاعة فوجدت فتاة صغيرة تنتظرها.
قالت لها
أنا شفت قصتك من سنين، ولما كبرت دخلت كلية التجارة، وعايزة أبقى مراجعة حسابات زي حضرتك.
ابتسمت منى وربتت على كتفها وقالت
خلي هدفك مش النجاح وبس... خلي هدفك إن محدش يقدر يشتري ضميرك.
في المساء، عادت إلى بيتها.
فتحت درجًا قديمًا، وأخرجت الدبلة التي كانت ستلبسها يوم كتب الكتاب.
نظرت إليها لحظات...
ثم وضعتها داخل صندوق صغير، وأغلقته للمرة الأخيرة.
وقالت لنفسها
بعض الأبواب لازم تتقفل... عشان أبواب أحسن تتفتح.
وفي اليوم التالي، تبرعت بالصندوق بكل ما فيه إلى متحف صغير داخل المؤسسة، أطلقت عليه اسم بداية جديدة، ليكون تذكيرًا بأن النجاة من الظلم ليست نهاية
الحياة... بل بدايتها.
أما حسام...
فبعد أن قضى العقۏبة التي أقرها القضاء، عاش بعيدًا عن الأضواء، وأصبح اسمه درسًا يتداوله كل من يظن أن النفوذ أقوى من القانون.
وأما منى...
فلم تُعرف بأنها الفتاة التي أوقفت كتب كتابها.
بل عُرفت بأنها المرأة التي أنقذت عشرات الأبرياء، وأثبتت أن الشجاعة الحقيقية ليست في الاڼتقام...
بل في أن تأخذ حقك بالقانون، وتحافظ على كرامتك، ثم تمضي إلى مستقبل أفضل دون أن تحمل في قلبك كراهية.
وهكذا انتهت الحكاية... ليس بانتصار شخص على آخر، بل بانتصار الحق على الظلم، والصدق على التزوير، والكرامة على الخۏف.
تمت بحمد الله.