يوم كتب الكتاب
المحتويات
سنين، لكن الحقيقة أول ما تلاقي حد يتمسك بيها، بتظهر.
وقف الجميع يصفق.
وفي آخر الصف...
كان والد أحد الموظفين اللي رجعت له حقوقه.
اقترب مني، ومسكني من إيدي وقال
بنتي كانت فاقدة الأمل... النهارده رجعلها اسمها وكرامتها.
ابتسمت، وحمدت ربنا.
وفي طريقي للبيت...
افتكرت يوم كتب الكتاب.
اليوم اللي كنت فاكرة إنه هيكون بداية أصعب أيام عمري.
لكنه كان في الحقيقة...
أول يوم في حياة جديدة، مبنية على الكرامة، والعدل، وراحة الضمير.
النهاية الحقيقية بعد ستة أشهر من حفل التكريم...
كنت قاعدة في المكتب، لما السكرتيرة دخلت وقالت
يا أستاذة منى... في شاب برة بيقول إنه ضروري يقابلك.
قلت
يدخله.
دخل شاب في آخر العشرينات، شكله متوتر، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
قال
أنا يوسف... ابن المحاسب اللي كان شغال مع حسام.
اتفضل يقعد، وبدأ يحكي.
أبويا ماټ من شهر، وقبل ما ېموت سلمني الشنطة دي، وقال وصلها للأستاذة منى... هي الوحيدة اللي هتعرف تعمل الصح.
فتحت الشنطة.
كان فيها دفاتر حسابات قديمة، وأسطوانة تخزين، ومظروف مقفول.
فتحت المظروف.
كان فيه خطاب بخط المحاسب.
الأستاذة منى...
أنا غلطت لما سكت.
ماكنتش شريك في التزوير، لكن خۏفي خلاني ما أبلغش.
يمكن ربنا ما ادانيش فرصة أصلح غلطي، لكن يمكن الورق ده يرجع حقوق ناس تانية.
بدأنا نراجع الملفات.
وفجأة...
لقينا أسماء عشرات الموردين الصغيرين.
ناس كانت ليها مستحقات مالية عند الشركة، لكن عمرهم ما قبضوها.
تواصلنا مع المحامي.
واتضح إن في جزء من أموال الشركة كان متحفظ عليه بقرار من المحكمة، وبعد انتهاء كل القضايا بقى من حق الدائنين يتقسم عليهم.
بدأت الإجراءات.
وبعد شهور...
كل صاحب حق استلم مستحقاته.
في يوم، وأنا خارجة من البنك، وقفت قدامي سيدة مسنة.
قالت وهي ماسكة إيدي
أنا أرملة، وجوزي كان من الموردين اللي ماتوا وهو مستني فلوسه.
النهارده قدرت أجوز بنتي من الفلوس دي.
ربنا يجازيكي خير.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وقتها فهمت...
إن الوقوف ضد الظلم ما بينقذش شخص واحد.
أحيانًا بينقذ عائلات كاملة.
رجعت المكتب، وفتحت أول ملف في القضية.
كان عليه تاريخ يوم كتب الكتاب.
ابتسمت، وقفلت الملف للمرة الأخيرة.
وقلت لنفسي
كل حكاية ظلم لازم يكون لها نهاية...
لكن نهاية العدل عمرها ما بتقف عند حكم محكمة...
بتكمل لحد ما آخر صاحب حق ياخد حقه.
تمت بعد عام...
افتتحت مؤسسة صغيرة باسم حق.
مكان هدفه الوحيد إنه يساعد أي شخص اتورط في تزوير أو ڼصب مالي، ومش قادر يوصل لحقه.
في أول يوم استقبال...
دخل راجل عجوز، كان ماسك ملف قديم جدًا.
قال
بنتي... أنا جيتلك عشان الناس قالتلي إنك مبتسيبيش حق حد.
ابتسمت وقلت
احكيلي.
فتح الملف.
وكانت الصدمة...
لقيت اسم أبويا مكتوب في أول ورقة.
اتسعت عيني.
قلت
إزاي؟
قال
أبوكي من عشرين سنة وقف معايا، وأنقذ شركتي من الإفلاس، ورفض ياخد مني أي مقابل.
قبل ما ېموت، قال لي لو قابلت بنتي يومًا... قولها تكمل الطريق.
حسيت دموعي بتنزل.
لأول مرة...
عرفت إن اللي كنت بعمله، كان امتداد للمبادئ اللي اتربيت عليها.
ساعدنا الراجل، وبعد أسابيع رجع حقه كامل.
وقبل ما يمشي، قال
أبوكي كان راجل عظيم...
وأنتِ خلتيني أحس إنه لسه موجود.
في نفس الليلة...
رجعت البيت.
فتحت ألبوم صور قديم.
لقيت صورة لأبويا وهو ماسكني وأنا صغيرة.
وراء الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط إيده
يا منى... لو جه يوم واضطريتي تختاري بين المكسب والحق... اختاري الحق، حتى لو خسړتي الدنيا كلها.
حضنت الصورة.
وابتسمت.
لأنني أخيرًا فهمت...
إن يوم كتب الكتاب ما كانش اليوم اللي حياتي اتغيرت فيه.
اليوم الحقيقي...
كان يوم قررت ألا أبيع كرامتي، ولا أتنازل عن حقي.
ومن يومها...
كل قضية جديدة كانت بتفكرني بنفس الدرس
الحق ممكن يتأخر... لكنه لما يرجع، بيرجع رافع رأس صاحبه.
النهاية الأخيرة. بعد خمس سنوات من تأسيس مؤسسة حق...
بقت المؤسسة معروفة في كل المحافظات.
كل أسبوع كان بيجيلها عشرات الناس.
ناس اتنصب عليها.
وناس اتزور توقيعها.
وناس فقدت الأمل.
وفي صباح
متابعة القراءة