عزمت خطيب بنتي ع العشا
المحتويات
فقدت ثقتها بنفسها تدريجيًا حتى أصبحت تخشى اتخاذ أبسط قرار دون خوف من غضبه. وفي تلك الليلة أدركتُ أن بعض الناس لا يحتاجون إلى الصړاخ أو العڼف ليؤذوا غيرهم، فهناك من يستطيع تحويل حياة إنسان آخر إلى سجنٍ كامل بالكلمات والسيطرة والخۏف فقط.
في الأيام التالية حاول سامي العودة أكثر من مرة. أرسل رسائل طويلة يعتذر فيها ويقول إنه فقط يحب مريم أكثر من اللازم. ثم عاد يتهمها بأنها هي من فهمته خطأ. وبعدها بدأ يقف قرب العمارة أو يراقبها من بعيد. لكن هذه المرة لم نصمت. أخبرتُ إخوتي بكل شيء، ووقفت العائلة كلها بجوار مريم حتى شعرت أخيرًا أنها ليست وحدها.
ومع الوقت بدأت تستعيد نفسها ببطء. عادت إلى عملها، وعادت تتحدث مع صديقاتها، وعادت الضحكة الصغيرة إلى وجهها شيئًا فشيئًا.
لكن التغيير الأكبر حدث داخلي أنا.
كنت أظن دائمًا أن الخطړ يأتي بوجهٍ مخيف وصوتٍ مرتفع، لكنني تعلمت متأخرة أن أخطر الناس أحيانًا هم أولئك الذين يبدون مثاليين أمام الجميع. أولئك الذين
يجعلون الضحېة تشك بنفسها كل يوم حتى تظن أن خۏفها مجرد وهم.
وبعد عام كامل، كنا نجلس أنا ومريم قرب النافذة نشرب الشاي في ليلة ممطرة، حين التفتت إليّ فجأة وقالت تعرفين يا أمي ما الذي أنقذني فعلًا؟ سألتها ماذا تقصد، فابتسمت بعينين دامعتين وقالت أنكِ رأيتِ خۏفي قبل أن يفوت الأوان.
حينها فقط شعرتُ أن تلك الليلة لم تكن مجرد عشاء عادي.
كانت الليلة التي استعادتُ فيها ابنتي من حياة كاملة كانت ستُبنى على الخۏف والصمت.
والليلة التي فهمتُ فيها أن الأم أحيانًا لا تنقذ ابنتها بالقوة
بل لأنها تلاحظ ارتجافة يدٍ صغيرة لا يراها أحد غيرها.
مرت أسابيع طويلة بعد فسخ الخطوبة، لكن البيت لم يعد كما كان بسهولة. صحيح أن سامي اختفى من حياتنا ظاهريًا، إلا أن أثره بقي معلقًا في كل زاوية من البيت، وفي كل حركة تقوم بها مريم دون أن تشعر. كانت تستيقظ أحيانًا في منتصف الليل مذعورة فقط لأن هاتفها أضاء بإشعار عادي. وإذا سمعت صوت خطوات خلفها في الشارع، تتوتر فورًا وتلتفت أكثر من مرة. وحتى عندما أجلس معها لتناول الطعام، كنت ألاحظ أنها ما تزال تنكمش قليلًا كلما سقط شيء فجأة على الأرض، وكأن جسدها لم ينسَ تلك الليلة حول السفرة.
كنت أراقبها بصمت، وأشعر بوخزٍ مؤلم داخلي كلما تذكرت أن ابنتي عاشت كل ذلك الخۏف أمام عيني دون أن أستوعب الحقيقة كاملة. بدأت ألوم نفسي على كل مرة قلتُ فيها ربما هو فقط غيور عليها. أو كل الرجال هكذا قليلًا. كنت أسترجع الكلمات القديمة فأشعر بالخجل من نفسي. لأنني فهمت متأخرة أن الخۏف لا يظهر دائمًا على شكل كدمات أو صړاخ. أحيانًا يظهر على هيئة صمت طويل
أو فتاة
متابعة القراءة