عزمت خطيب بنتي ع العشا
اسمي فاطمة، ومنذ خمس سنوات وأنا أعيش مع ابنتي مريم وحدنا في شقةٍ صغيرة بأحد أحياء وهران القديمة بعد ۏفاة زوجي. كانت الحياة صعبة، لكن وجود مريم بجانبي كان يخفف عني كل شيء. كانت ابنتي الوحيدة، وسندي في الدنيا، والبنت التي كنت أراها تكبر أمامي يومًا بعد يوم حتى أصبحت شابة جميلة وهادئة ومحترمة يشهد لها الجميع بالأخلاق. لذلك حين تقدّم سامي لخطبتها، شعرتُ لأول مرة منذ سنوات أن قلبي ارتاح. بدا شابًا خلوقًا، هادئًا، يتحدث باحترام، لا يرفع صوته أبدًا، يساعد الجيران، ويظهر دائمًا بمظهر الرجل المثالي. حتى إمام المسجد أثنى عليه يومًا أمام الناس وقال إنه شاب مؤدب يعرف معنى المسؤولية. كنت أراه يجلس مع مريم في الصالون ويتحدثان بهدوء فأبتسم وأقول في نفسي إن الله عوّض ابنتي خيرًا بعد تعب السنين.
لكن بعد الخطوبة بفترة قصيرة بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم أفهمها وقتها. مريم التي كانت تضحك كثيرًا أصبحت صامتة أغلب الوقت. لم تعد تخرج مع صديقاتها كما كانت تفعل دائمًا. تركت عملها فجأة بحجة أنها تريد الراحة قبل الزواج. حتى هواياتها الصغيرة اختفت. لم تعد ترسم، ولم تعد تجلس قرب النافذة لتسمع الموسيقى الهادئة كما كانت تفعل منذ طفولتها. صارت تتحرك داخل البيت وكأنها تخشى شيئًا غير مرئي. وفي كل مرة أسألها إن كان هناك ما يزعجها، كانت تبتسم بسرعة وتقول إنها بخير. لكنني أمّ والأم تعرف حين تكون ابتسامة ابنتها مجرد ستار.
كان سامي يحضر كثيرًا إلى بيتنا، وفي كل مرة يزداد تدخله في حياة مريم بشكل غريب. مرة يقول لها إن ملابسها يجب أن تكون أكثر بساطة. ومرة يطلب منها ألا ترد على اتصالات صديقاتها كثيرًا لأن المرأة المحترمة لا تضيع وقتها بالكلام الفارغ. وفي مرة أخرى ڠضب لأنها تأخرت عشر دقائق في العودة من السوق. كان يقول كل شيء بهدوء شديد، وبابتسامة باردة تجعل أي شخص يظنه مجرد رجل غيور يحب خطيبته. لكنني بدأت أشعر أن هناك شيئًا خفيًا خلف هذا الهدوء.
وفي ليلة العشاء تلك، قررتُ أن أجلس معه وحده
لأول مرة لأفهمه أكثر قبل موعد الزواج الذي اقترب. أعددتُ الطعام بعناية، ورتبتُ السفرة، وحاولتُ أن أجعل الليلة دافئة ومريحة. جاء سامي حاملًا علبة حلوى فاخرة، وابتسم لي بثقة كبيرة، ثم جلس وكأنه فرد من العائلة منذ سنوات. أما مريم، فكانت شاحبة على غير عادتها. بالكاد لمست الطعام. كانت يداها ترتجفان وهي تمسك الكوب، وعيناها تتحركان بيني وبينه بتوتر واضح. حاولتُ فتح أحاديث بسيطة، لكن كلما سألتُ مريم شيئًا، كان يجيب هو بدلًا عنها. قال إنها متعبة هذه الأيام، وإنها حساسة أكثر من اللازم، وإنه يحاول فقط حمايتها من الناس ومن ضغوط الحياة. ثم ضحك وهو