بعد ما أطلقت
اللي جم قبلك استقالوا بعد أسبوع.
ليه؟
واحدة قالت إن ناناه بتتكلم كتير، والتانية قالت إنها مابتتكلمش خالص!
مقدرتش أمسك نفسي وابتسمت
وحضرتك.. بتتكلم معاها كتير؟
وقف تاني وبصلي بصه أطول المرة دي أنا راجل مشغول.. وعشان كده محتاجين ممرضة.
نازلي هانم كانت نايمة في أوضة في الدور التاني.. الأوضة كانت منورة رغم كآبة الخريف بره. سرير خشب ضخم، كومة كتب على الكومودينو، وصور متبروزة على الحيطة. الست اللي في الصور كانت جميلة جمال مبيخلصش بالسنين، بس بيزيد رقي وفخامة.
نازلي هانم دلوقتي كانت رقيقة وشفافة زي ورقة شجر في الخريف، بس عينيها.. غامقة، صاحية، وفيها لؤم ذكي.. لسه هي هي صاحبة الصور.
كمان واحدة! قالتها وهي بتفحصني بنفس جراءة حفيدها، بس من غير كآبته. صغيرة.
واحد وأربعين سنة، قلتلها بوضوح.
يعني صغيرة.. اقعدي، متمشيش وتفضلي واقفة تسدي النفس.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير.
اسمك إيه؟
مريم.
مريم.. نطقت الاسم كأنها بتدوق طعمه. متجوزة؟
في إجراءات الطلاق.
عندك ولاد؟
لأ.
ليه؟
بربشت بعيني.. السؤال جه فجأة ومن غير استئذان. مصلتش نصيب.
مصلتش نصيب ولا مكنتيش عايزة؟
ناناه نازلي! كريم نده بلهجة تحذير من عند الباب.
اسكت إنت يا كيمو. بصتلي تاني وقالت جاوبي.
في الأول مصلتش نصيب، قلتلها بصدق. وبعدين عرفت إني مش عايزة منه هو ولاد.
من جوزك؟
أيوة.
يبقى تطلقي صح وتخلصي.
سندت ضهرها على المخدات وقالت أنا موافقة عليكي. بس خلي بالك مابحبش الكدب، ولا النحنحة، ولا الناس اللي بتمشي على طراطيف صوابعها عشان متزعجنيش. لو في حاجة غلط.. قوليها في وشي.
تمام، قلتلها.
وحاجة كمان.. غمضت
عينيها وقالت نومي قليل، وساعات بتمشى في البيت بالليل.. متتخضيش.
أول تلات أيام عدوا بهدوء. بدأت أتعود على البيت، ونظامه، وعلى الست نازلي. كانت فعلاً صعبة.. الشاي لازم درجة حرارة معينة، الكتب مترتبة بالملي، والشباك يتفتح بمقدار قب . ضة إيد بالظبط.
بس في نفس الوقت كانت شخصية ممتعة. بتقرأ أربع ساعات في اليوم.. كتب بالعربي والفرنساوي والإنجليزي. ساعات بصوت عالي لنفسها، وساعات تطلب مني أقرأ لها.
مخارج حروفك كويسة، قالتلي في اليوم التالت بعد ما خلصت فصل من رواية لموباسان. إنتي دارسة إيه؟
كلية تربية.. لغة عربية.
ومشغلتش في مهنتك ليه؟
اشتغلت 12 سنة.. وبعدين المدرسة قفلت، واشتغلت في مكتب ترجمة أوراق.
مر أسبوع على وجودي في الفيلا. بدأت نازلي هانم تتعود عليا، أو بمعنى أصح، بدأت تلاقي فيا الند اللي بتتسلى معاه. كانت ست مثقفة لدرجة مرعبة، وساعات كانت تختبرني في إعراب بيت شعر أو تسألني عن رأيي في نهاية رواية فرنسية مترجمة، ولما كنت بجاوب بذكاء، كنت بشوف في عينيها لمحة احترام مكنتش بتظهر لأي حد، ولا حتى لحفيدها كريم.
كريم كان لغز تاني خالص. بيجي الفيلا متأخر، يدخل أوضة مكتبه، يفضل يزعق في التليفون بخصوص صفقات وأرقام، ويطلع يبوس إيد جدته بآلية غريبة، كأنه بيأدي واجب تقيل عليه.
في ليلة من الليالي، الساعة كانت