رغده
المحتويات
ليست رفضًا لفكرة المواساة نفسها، وإنما اعتراض على الصورة التي يمكن أن تتحول إليها المناسبة عندما تبتعد عن معناها الحقيقي.
وهذا يتضح أيضًا من الجزء الآخر في رسالتها إلى بثينة، عندما أشارت إلى أن أصدقاء ابنتها الحقيقيين سيعرفون كيف يذهبون إليها ويشاركونها العزاء الحقيقي.
أي أن رغدة لم تكن تتحدث عن قطع الناس أو رفض من يريد الوقوف بجوار ابنتها، وإنما كانت تفرق، من وجهة نظرها، بين المواساة الصادقة وبين المظاهر الاجتماعية التي قد ترافق بعض المناسبات.
فالإنسان القريب من الأسرة، والذي تربطه بها علاقة حقيقية، لن يحتاج إلى مناسبة كبيرة أو تجمع رسمي حتى يقدم الدعم.
سيعرف كيف يكون إلى جوارهم بالطريقة التي يحتاجون إليها.
ومن هنا يمكن فهم سبب توجيه الوصية إلى بثينة بهذه الطريقة المباشرة.
رغدة أرادت أن تعرف ابنتها رغبتها مسبقًا، بدلًا من ترك الأمر للظروف أو للعادات الاجتماعية المتعارف عليها.
ولم تتوقف ملاحظاتها عند مسألة الأحاديث الجانبية والنميمة فقط.
فقد تحدثت كذلك عن تغير بعض مظاهر العزاء مقارنة بما كان موجودًا في الماضي.
وأشارت إلى أن العادات القديمة المتعلقة بمواساة أهل المتوفى والوقوف إلى جوارهم في أوقات الحزن لم تعد، من وجهة نظرها، كما كانت.
فالهدف قديمًا كان واضحًا تقديم الدعم والمواساة.
لكنها ترى أن بعض الأشخاص أصبحوا يتعاملون مع هذه المناسبات بطريقة مختلفة.
ومن أكثر الأمور التي انتقدتها أن بعض المعزين، بحسب رأيها، قد يذهبون من أجل التصوير أو الظهور أمام وسائل الإعلام.
وهي النقطة التي تبدو أكثر وضوحًا في حالة الفنانين والمشاهير، لأن أي مناسبة تخص شخصية معروفة قد تتحول سريعًا إلى حدث يحظى باهتمام وسائل الإعلام والكاميرات.
وهنا يظهر جوهر موقف رغدة.
فهي تريد أن تظل لحظة الحزن شأنًا إنسانيًا وعائليًا، بعيدًا عن المظاهر التي ترى أنها قد تفقد المناسبة معناها.
ومن خلال وصيتها، وضعت ابنتها أمام رغبة واضحة جدًا لا استقبال تقليديًا للمعزين بعد رحيلها.
أما الأشخاص المقربون فعلًا، والذين تربطهم ببثينة والأسرة علاقة صادقة، فهم وفق تعبير رغدة سيعرفون بأنفسهم كيف يقدمون المواساة الحقيقية.
وقد يبدو القرار غير معتاد للبعض، خاصة في المجتمعات العربية التي تحتل فيها مراسم العزاء مكانة اجتماعية كبيرة، لكن رغدة قدمت تفسيرها الخاص لهذا الاختيار.
فمن وجهة نظرها، قيمة المواساة لا تتحدد بعدد الأشخاص الذين حضروا، ولا بحجم التجمع، ولا بمن ظهر أمام الكاميرات.
القيمة الحقيقية موجودة في الشخص الذي يأتي لأنه يريد بالفعل الوقوف إلى جوار الأسرة.
وهذا المعنى هو الذي حاولت التأكيد عليه عندما استخدمت
تعبير العزاء الحقيقي.
فالفرق، كما يظهر من كلماتها، ليس بين إقامة العزاء وعدم الاهتمام بالناس، وإنما بين شكلين مختلفين للمواساة.
الأول يقوم على حضور اجتماعي قد تختلط به المظاهر والأحاديث الجانبية.
والثاني يقوم على العلاقة الحقيقية والدعم الصادق لأهل المتوفى.
ورغدة اختارت الشكل الثاني.
كما أن إعلان هذه الوصية وهي موجودة وبكامل صحتها، بحسب كلماتها،
متابعة القراءة