كنت هطلق مراتي
المحتويات
خاص كبير، وبدأت فجأة تأخذ نوبات عمل إضافية شيفتات ليلية وتعود في ساعات متأخرة من الليل بوجه شاحب وعينين غائرتين. كان يواسي نفسه قائلاً الجميع يمر بفترات ضغط.
لكنه هو الآخر لم يكن خالي البال. كان يغرق في دوامته الخاصة. شركة المقاولات الصغيرة التي أسسها بعرق جبينه ودموعه كانت تمر بمرحلة حرجة. كان يكافح بين مواقع البناء، وتأخير توريد المواد الخام، ومطالبات العمال، والشيكات التي يحل موعد سدادها. كان يركض كالمچنون لتأمين العقود، يحلم بأن يكبر شغله، وأن يشتري لها البيت الكبير المطل على النيل الذي طالما حلمت به، ويوفر لها حياة كريمة لا تحتاج فيها للعمل الشاق.
لكنه في غمرة ركضه وراء تأمين مستقبلهما، لم يلاحظ أن حاضرهما يتسرب من بين أصابعه كرمال ناعمة. ومع زيادة صمت منى، بدأت وحوش الشك تنهش في عقله. كل مكالمة هاتفية لا تجيب عليها كانت تتحول في رأسه إلى علامة استفهام ضخمة. كل رسالة يراها تمحى من هاتفها بدافع السرية كما تخيل كانت تغذي شياطين ظنونه. وكل زيارة لبيت والدتها كانت تبدو له كهروب منه، أو ربما... لقاء بشخص آخر.
يا ترى هل هناك رجل آخر في حياتها؟ هل ملّت من كفاحه الطويل ومن انشغاله المستمر؟ هل وجدت من يمنحها الاهتمام الذي عجز هو عن تقديمه في غمرة معاركه اليومية؟ كان يبحث في أرجاء البيت عن دليل، عن صورة، عن رسالة، عن أي شيء يؤكد أو ينفي ظنونه، لكنه لم يجد شيئًا. لم يكن أمامه سوى الصمت، والصمت في الحب أشد فتكًا من الخېانة المعلنة؛ لأنه يترك العقل يبني أسوأ السيناريوهات الممكنة.
الحلقة الرابعة حوارات مبتورة
حاول أحمد مرارًا وتكرارًا كسر هذا الجدار السميك. كان يجلس أمامها،
يمسك بيديها الباردتين اللتين كانت تسحبهما بلطف بعد ثوانٍ، ويحاول فتح قلبه
مالك يا منى؟ في إيه؟ إحنا مبقناش بنتكلم.
كانت تبتسم ابتسامة باهتة، كضوء شمعة يوشك على الانطفاء، وتقول بصوت خاڤت
مفيش يا أحمد... إرهاق شغل مش أكتر، متتحملش همي، ركز في شغلك ومقاولاتك.
بس إنتِ مبقتيش تبصيلي زي زمان يا منى! لما ببصلك بحس إني غريب عنك.
الشغل مضغوط أوي الفترة دي، والحالات في المستشفى صعبة.
وحين بلغت القلوب الحناجر، وتملكه اليأس، سألها السؤال الذي كان يخشى حتى التفكير فيه
في حد تاني في حياتك يا منى؟ قوليلي وريحي قلبي.
في تلك اللحظة، كان يرى وجهها يصفر فجأة، وترتعد فرائصها، وتنظر إليه بنظرة عجز لم يفهمها حينها، ثم تجيب بنبرة حاسمة ومکسورة في آن واحد
لأ... مفيش حد تاني.
طب قوليلي إيه اللي مخبياه؟ أنا جوزك وحبيبك اللي عشتي معاه تسع سنين!
لكنها كانت تعود وتلوذ بالكلمة ذاتها، الكلمة التي بات يكرهها أكثر من أي شيء في الوجود
مفيش.
مفيش... كلمة صغيرة من أربعة أحرف، لكنها كانت كافية لتبني جبلًا من الجليد بين قلبين كانا ينبضان كقلب واحد.
الحلقة الخامسة قرار النهاية
في الليلة التي اتخذ فيها أحمد قراره الصعب، كان الجو مشحونًا بثقل لا يطاق. جلس الاثنان على مائدة العشاء. لم يكن هناك سوى صوت دقات ساعة الحائط الكبيرة، التي كانت تبدو كأنها تعد الثواني المتبقية من عمر زواجهما.
نظر إليها أحمد؛ كانت عيناها منتفختين وحمراوين، وكأنها بكت لساعات قبل أن تدخل البيت. تملكته رغبة عارمة في أن يقوم من مقعده، ويحتضنها بقوة، ويخبرها بأنه مستعد لحړق العالم كله مقابل أن تعود إليه منى القديمة. لكن كبرياءه الجريح، وذكريات محاولاته الفاشلة
للاقتراب منها في الأشهر الماضية، كبّلت جسده. شعر بأنها ترفضه، وبأن بقاءه معها أصبح نوعًا
متابعة القراءة