كذبت علي والدي
المحتويات
منها. ثم فتحت الباب. استقبلني هواء دبي الحار ممزوجًا برائحة البحر. فخرجت دون أن ألتفت خلفي. وأقسمت في سري عندما أعود لن أعود بصفتي الابن الذي طردوه. بل بصفتي المالك الحقيقي لكل شيء. سرتُ في شوارع دبي الهادئة أسحب حقيبتي خلفي، بينما انعكست الأضواء الزرقاء والذهبية فوق زجاج الأبراج والسيارات المارة. كانت المدينة مزدحمة كعادتها لكنني شعرت لأول مرة أنني وحدي تمامًا. اهتز هاتفي برسالة قصيرة. كانت من خالة أمي، مريم يا سالم، أعددت العشاء. متى ستصل؟ أغمضت عيني للحظة. خالتي مريم كانت الشخص الوحيد الذي بقي قريبًا مني بعد ۏفاة أمي. الوحيدة التي كانت تسأل إن كنت قد تناولت الطعام. الوحيدة التي تتذكر عيد ميلادي كل عام. والوحيدة التي لم تنادني يومًا بصفة ابن راشد بل باسمي فقط. أرسلت إليها أنا في الطريق. وصلت إلى شقتها الصغيرة في الشارقة بعد ساعة تقريبًا. فتحت الباب
فور أن رأتني. لكن ابتسامتها اختفت مباشرة عندما وقعت عيناها على الحقيبة السوداء خلفي. تغير وجهها بسرعة وقالت بقلق سالم؟ ماذا حدث؟ نظرت إليها للحظات قبل أن أجيب بهدوء أبي طردني. شهقت ثم أمسكت ذراعي بسرعة وسحبتني إلى الداخل، وكأنها تخشى أن يسمعنا أحد من الممر. أغلقت الباب بعصبية، ثم التفتت نحوي ماذا فعل؟ لم أجب فورًا. أخرجت هاتفي فقط، وشغلت التسجيل. امتلأت الغرفة بصوت موزة وهي تقول لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت. ثم جاء صوت أبي باردًا عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع سيفعل ما أريد. جلست خالتي ببطء فوق الأريكة. كانت يداها ترتجفان حول فنجان القهوة بينما استمعت إلى التسجيل كاملًا دون أن تقاطعني. وحين انتهى رفعت يدها إلى فمها، وامتلأت عيناها بالدموع. همست بصوت مكسور رحمة اختارت الرجل الخطأ فعلًا ثم نظرت إليّ طويلًا. وكأنها ترى أختها في وجهي. بعدها أمسكت يدي بقوة وقالت اسمعني جيدًا يا سالم طالما أنا على قيد الحياة، فلن تنام في الشارع أبدًا. لأول مرة منذ شهور طويلة شعرت بالأمان. ليس لأن مشكلتي انتهت. بل لأن أحدًا أخيرًا وقف بجانبي دون أن يريد شيئًا مني. في صباح اليوم التالي، استيقظت مبكرًا على رائحة خبز الرقاق الساخن. خرجت من الغرفة فوجدت خالتي قد أعدت الفطور بنفسها. الجبن الأبيض. والبيض. وكوب شاي بالحليب تفوح منه رائحة الهيل. جلست أمام الطعام بصمت. راقبتها للحظات وهي تتحرك داخل المطبخ الصغير، وفجأة تذكرت أمي. الطريقة نفسها في إعداد الشاي. والرائحة نفسها. حتى نظرة القلق في عينيها كانت تشبهها. ابتلعت الغصة في حلقي بصعوبة. ثم قلت بهدوء لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها اليوم. نظرت إليّ خالتي وكأنها فهمت كل شيء دون شرح. اكتفت فقط بسؤال واحد هل
متابعة القراءة