الاوضه اللي ساكن فيها حكايات زهرة

موقع أيام نيوز

الورق القديم. لم عدته في الشنطة بإيد بتترعش، وعينه مش مفارقة الفتحة اللي في السقف.
أنا ماشي يا أستاذ يحيى.. فلوسك أهي، مش عايز منها مليم، بس اعتبرها نصيحة لوجه الله.. سيب الشقة
دي الليلة، وما تباتش فيها دقيقة واحدة!
قال الكلمتين دول وجري على باب الشقة وكأنه بيهرب من عزرائيل، سابني واقف في نص الأوضة، والسكوت اللي حل فجأة كان أتقل من الحرارة نفسها. بصيت للسلم الألمونيوم اللي لسه واقف في نص الأوضة، وبصيت للفتحة السوداء اللي بتبص لي زي عين عملاقة.
الظلام اللي فوق السقف الساقط مكنش ظلام عادي، كان تحس إنه كتلة سوداء ليها وزن. سحبت الكشاف اللي وقعه الأسطى رجب من الخضة، ورجلي بتترعش طلعت السلم درجة درجة. كل ما بطلع لفوق، الحرارة بتزيد بشكل مرعب، مش حرارة شمس، دي كانت حرارة أنفاس.
وصلت لآخر درجة، وبقيت موازي للفتحة. ريحة الكمكمة بقت ريحة حاجة شايطة، ريحة لحم پيتحرق ببطء. وجهت الكشاف جوه الفراغ.. وفي أول ثانية، مكنتش فاهم أنا شايف إيه.
كان فيه فرشة كاملة محطوطة فوق الجبسن بورد، هدوم قديمة ومهلهلة، وكتب ورقها دايب، بس مش ده اللي جمد الډم في عروقي. في ركن الفراغ، فوق التكييف الجديد بالظبط، كان فيه شخص قاعد.. أو ده اللي افتكرته في الأول.
كان كيان نحيف جداً، جلده لازق على عضمه لدرجة إنك تقدر تعد فقرات ضهره، لون جلده كان رمادي غامق كأنه متغطي بالرماد. الكيان ده كان قاعد متربع، وحواليه دايرة من الشموع السوداء اللي مخلصتش، والحرارة كلها كانت طالعة منه هو! كان عامل زي دفاية
بشړية بتشع صهد ېحرق الروح.
لما ضوء الكشاف جه على وشه، لف راسه ببطء.. ببطء مرعب. مكنش ليه عينين، كان مكانهم تجويفين غارقين في السواد، بس كان شايفني. فتح بقه اللي كان عبارة عن شق مشقوق لحد ودانه، وطلع منه صوت فحيح زي غليان الزيت
لسه بدري.. لسه الأوضة مابقتش جاهزة.
في اللحظة دي، شفت الترمومتر الديجيتال اللي على الحيطة من بعيد، الأرقام بدأت تجري جنون 40.. 45.. 50.. وبدأ البلاستيك بتاع التكييف الجديد يسيح وينقط على الأرض زي الدموع.
عرفت وقتها إن الأربعة تكييفات اللي باظوا مكنش عيب صناعة.. الكيان ده كان بيمتص البرودة عشان يغذي الڼار اللي جواه. رميت الكشاف وجريت، نزلت السلم في خبطة واحدة، وخرجت من باب الشقة بالهدوم اللي عليا.
وأنا بقفل الباب، سمعت صوت ضحكة مكتومة طالعة من سقف الأوضة، وصوت تكة الترمومتر وهو پيتحرق من كتر السخونية. نزلت الشارع وأنا بلهث، وبصيت لفوق على شباك أوضتي.. شفت دخان أبيض خفيف طالع من الشباك، بس الجيران كانوا ماشيين عادي، محدش حاسس باللي بيحصل، لأن الڼار دي كانت ڼاري أنا وحرارتها ليا أنا لوحدي.
من يومها وأنا ساكن في فندق، مش
قادر أقرب من الشارع كله، وكل ما حد يسألني سيبت الشقة ليه، بفتكر الكيان الرمادي وهو متربع فوق راسي، وبفتكر الكلمة اللي قالها لسه مابقتش جاهزة.
. والسؤال اللي بياكل عقلي دلوقت هو كان بيجهز الأوضة.. لمين؟

تم نسخ الرابط