ماټ أحد شيوخ العشائر، وأرادت العشيرة تنصيب شيخ جديد، لأن ابن الشيخ صغير على المشيخة

موقع أيام نيوز


يا قاضي.
ساد الصمت ثم تعالت أصوات الإعجاب.
ابتسم القاضي وقال للطفل
ما المكسب وما رأس المال وما الخسارة
رد الطفل فورا
المكسب أن أكون خيرا من أبي ورأس المال أن أكون مثله والخسارة أن أكون أقل منه.
قال القاضي
وما أول أمس وأمس واليوم
قال الطفل
أول أمس هو جدي وأمس هو أبي واليوم هو أنا.
نظر القاضي إلى الرجال الخمسة ثم قال
هل بقي لديكم كلام
وقف القاضي في منتصف الديوان نظر إلى الرجال الخمسة بعباءاتهم الثقيلة ووجوههم المليئة بالحيرة ثم نظر إلى الطفل الذي لا تزال بقايا القهوة على شماغه.
ثم نادى بصوت جهوري
قوموا أيها الرجال خذوا شيخكم وعودوا إلى عشيرتكم.
نظروا إلى بعضهم متفاجئين فقال أحدهم
من الشيخ يا قاضي
قال القاضي
هو هذا الولد الذي أعاد لي الفنجان فارغا دون أن يسكبه والذي أجابني بحكمة لا يجاب بها إلا من ربي في بيت قائد
ثم أضاف
هذا هو شيخكم وإن كان صغيرا في عمره لكنه كبير في عقله فالعباءة الحقيقية لا تلبس بل تورث من الحكمة والمعرفة.
خرج الرجال من بيت القاضي وهم يحملون الطفل على الأكتاف لا كما جاؤوا.
العباءة الثقيلة التي كانت تخيفهم أصبحت خفيفة على كتفيه لا لأنه قوي الجسد بل لأنه قوي الفكر.
استقبلت العشيرة شيخها الجديد بدهشة ممزوجة بالدهشة والفخر.
الأمهات بكين والرجال سكتوا والشيوخ نكسوا رؤوسهم احتراما للقدر والحكمة التي لا تقاس بالأعمار.
في اليوم التالي اجتمع أهل القبيلة وطلبوا من الشيخ الصغير أن يجلس على كرسي والده.
فجلس بثبات ثم قال أولى كلماته
تعلمت من أبي أن المشيخة ليست صوتا مرتفعا ولا مشية متكبرة ولا عباءة فاخرة بل هي الصبر على الناس وحسن السماع وعدل الحكم وسعة القلب.
ثم قال
وكما قال يوسف عليه السلام للملك اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم. لم يقلها تكبرا بل لأنه اكتسب الحكمة من بيت العزيز.
وكذلك أنا لم أرث فقط الاسم بل ورثت الدروس من فم أبي كل ليلة حين كان يحدثني عن الجار والصغير والمظلوم والضيف والقاټل والمظلوم
بعد أيام بدأت القبيلة ترى في الشيخ الصغير ملامح والده ليس في الشكل بل في الطريقة التي يصغي بها في نظراته

وفي دقته حين يصدر حكما أو قرارا.
وفي إحدى الجلسات وقف أحد الرجال الكبار وقال
كنا نظن أن الكبر في الجسد لكننا اليوم نرى أن الكبر في العقل.
كنا نلبس العباءات ظنا أنها تعطي الهيبة ولكنك علمتنا أن الهيبة تكتسب من المواقف لا من الملابس.
مع مرور الشهور أصبحت العشيرة أكثر اتزانا.
لم تعد هناك صراعات على الزعامة ولا تهافت على المنصب لأن الجميع أدرك أن المقام لا يؤخذ بل يعطى.
مرت السنوات وكبر الطفل وكبر معه قدره.
أصبح يضرب به المثل في البلاد والقبائل وأصبح اسمه يتردد في المجالس حين يطلب الحكم في النزاعات.
ولم ينس يوما كيف جلس على فنجان قهوة وأخرج منه مشيخة
ولا نسي كيف
 

تم نسخ الرابط