ماټ أحد شيوخ العشائر، وأرادت العشيرة تنصيب شيخ جديد، لأن ابن الشيخ صغير على المشيخة
في أرض واسعة تمتد بين الجبال والوديان حيث لا يكتب التاريخ بالحبر بل بالرجال كانت هناك عشيرة يضرب بها المثل في الكرم والحكمة والشجاعة. وكان على رأسها شيخ لا يرد له أمر ولا يكسر له قول. رجل جمع بين الهيبة والعدل يطلق عليه الجميع لقب الشيخ أبو النور.
كان أبو النور يحكم قبيلته بعين الوالد ولسان الحكيم فكان في حضرته الجميع سواء لا يتقدم أحد على أحد إلا بالفضل والعقل.
لكن كما هو حال الدنيا لا يبقى شيء ولا يدوم أحد.
في أحد أيام الشتاء وبينما كانت السماء ملبدة بالغيوم خرج صوت الفجيعة من مضارب القبيلة.. لقد ټوفي الشيخ. توقفت الطبول وڠرقت العيون بالدموع وانكفأ الرجال حزانى فالذي رحل ليس كأي رجل.. رحل ميزان القبيلة.
ترك الشيخ خلفه ولدا صغيرا لا يتجاوز العاشرة وترك عباءته الثقيلة معلقة على الحائط لا يجرؤ أحد على لمسها. فكيف بطفل صغير أن يخلف رجلا كانت له مهابة الملوك وحكمة الأنبياء
بدأت العشيرة تبحث عن شيخ جديد فليس من المعقول أن تبقى القبيلة بلا كبير ولا صوت فوق صوت الڼزاع إلا صوت الحكيم.
اجتمع كبار القوم وتداولوا الأسماء وبرز خمسة من الرجال كل منهم يرى في نفسه أهلية للمشيخة. فلبسوا العباءات وتجملوا في القول وتنافسوا في الإقناع لكن القبيلة بقيت حائرة فالمشيخة لا تعطى لهيئة بل لمن يحمل روحا تشبه روح الشيخ الراحل.
اتفق الرجال الخمسة أن يذهبوا إلى قاضي المدينة ليفصل بينهم ويختار من يصلح لقيادة العشيرة. وفي خطوة رمزية اصطحبوا معهم الولد الصغير ابن الشيخ المتوفى ولكنهم تركوه خارج دار القاضي وجلسوا ينتظرون العدالة.
استقبلهم القاضي بحفاوة وكان رجلا فطنا لا تمر عليه الحيل. سمع منهم كل واحد وكل كان يمدح نفسه ويعرض ما يملك من نسب ومال ولباس وهيبة لكن القاضي بقي صامتا.
وبعد أن انتهى الكلام جاءهم بفنجان قهوة ووضع أمام كل واحد منهم فنجانا وقال
أريد منكم جميعا أن تعيدوا الفنجان لي فارغا لكن بشرط لا تشربوا القهوة ولا تسكبوها!
ضړب الصمت المكان.
نظر الرجال إلى بعضهم بدهشة كيف يعاد الفنجان فارغا دون أن يشرب أو يسكب بدأ كل منهم يفكر لكن لم يجرؤ أحد على فعل شيء.
واحدهم حاول أن يقلب الفنجان وآخر فكر في لفه بقطعة قماش وثالث نظر إلى الأرض دون أن يتكلم جميعهم فشلوا.
ابتسم القاضي وقال
أين هو ابن الشيخ المتوفى
أشاروا إليه وقالوا تركناه عند الغنم خارج الدار.
قال القاضي نادوه فورا!
دخل الطفل الصغير بثيابه البسيطة وعينيه اللامعتين بالدهشة والدهاء.
ابتسم له القاضي وقال
يا بني هذا فنجان قهوة أريدك أن تعيده إلي فارغا لكن دون أن تشرب القهوة أو تسكبها.
لم يتردد الطفل بل خلع طرف شماغه بهدوء ووضعه داخل الفنجان فامتص القهوة تماما ثم ناول الفنجان للقاضي وقال
فنجانك فارغ وقهوتك على راسي