فى عام 2023 سقطت طائرة فوق غابات كولومبيا

موقع أيام نيوز

ليانا قرب نافذة غرفتها في العاصمة. كانت أضواء المدينة لامعة وأصوات 
السيارات تملأ الشوارع لكن في أذنها لم يكن يعلو إلا صدى الغابة. كل ضوء كان يذكرها بوميض الڼار التي رأت رمادها وسط الأدغال وكل صوت كان يعيد
لها العواء
الذي كان يلاحقهم.
الناس حولها كانوا ينادونها الفتاة المعجزة المذيعون يتسابقون على سرد قصتها والمنظمات الإنسانية تضع صورتها رمزا للشجاعة. لكنها في داخلها لم تر نفسها بطلة بل طفلة صغيرة وجدت نفسها مضطرة أن تكبر بسرعة أن تتحول إلى أم وأب وحارس في نفس الوقت.
كانت تتذكر ملامح أمها الجامدة وسط الحطام. ذلك المشهد الذي حاول عقلها أن يدفنه لكنه يعود كل ليلة. كانت تتذكر عيون نوح الممتلئة بالخۏف دموع أريج التي لم تجف وضحكة آدم الصغيرة التي كانت طوق النجاة حين يوشك الجميع على الاڼهيار.
ليانا لم تخرج من الغابة كما دخلتها. هناك وسط الأشجار الكثيفة والسماء المحجوبة تعلمت أن القوة ليست في الجسد بل في الإصرار. أن الخۏف لا يزول لكنه يصبح وقودا للبقاء. أن الإنسان يمكن أن ينهار في لحظة لكنه أيضا يستطيع أن يقف من جديد حتى وهو مجرد طفل.
كانت تسأل نفسها أحيانا لماذا أنا لماذا لم أمت مع أمي وكان الجواب يأتيها مع كل نفس تتنفسه إخوتها بجانبها. لقد كتب لها القدر أن تكون الجسر الذي ينقلهم من المۏت إلى الحياة.
ومع مرور الأيام بدأت ليانا تكتب مذكراتها. لم تكن تكتب لتنال الشهرة بل لتخفف عن قلبها ثقل التجربة. كتبت عن لحظة سقوط الطائرة عن الليالي المظلمة في الغابة عن القبيلة التي أرادت أن تجعل من آدم قربانا وعن الهروب الذي كان أشبه بمعجزة. كتبت عن كيف أن الغابة لم تكن عدوة خالصة بل كانت مدرسة قاسېة.
وفي إحدى المرات حين سألها صحفي ما الذي خرجت به من كل هذا
أجابت بصوت هادئ
تعلمت أن الحياة ليست عادلة دائما لكنها تمنحنا دوما فرصة والفرق الوحيد بين الناجي والمهزوم هو أن الأول لا يستسلم.
هكذا صارت قصتها تروى في المدارس والجامعات كأنها أسطورة من أساطير الأمازون. لكن بالنسبة لها لم تكن أسطورة ولا حكاية بطولية بل حقيقة دفعت ثمنها بطفولتها.
وفي كل ليلة حين يخفت ضجيج المدينة ويغفو إخوتها كانت تنظر إلى السماء وتهمس لنفسها
الغابة لم تقتلني لكنها سړقت طفولتي ومنحتني عمرا جديدا لم أكن مستعدة له.
وهكذا انتهت القصة لا بنهاية سعيدة ولا حزينة بل بحقيقة إنسانية تقول إن الناجين لا يخرجون كما دخلوا بل يعودون أشخاصا آخرين أشخاصا صنعتهم المحڼة من رماد الألم ليكونوا شاهدا على أن الأمل يمكن أن يولد حتى في قلب الغابة التي لا
تعرف الرحمة.

تم نسخ الرابط