اتصل بي زوجي بعد منتصف الليل
لم أرسل الرسالة التي تتوقعونها.
كان إصبعي فوق الرسالة التي تُبقي كل شيء مجمدًا، حتى آخر دينار. أقسم بأمي. وقبل أن أضغط إرسال بلحظة، أضاءت شاشة الهاتف من تلقاء نفسها.
كانت الحاجة أمينة تتصل بي من الطابق الخامس.
لم أجب.
لم أستطع.
بعد عشر ثوانٍ ظهر اسمها مرة أخرى، ثم وصلتني رسالة صوتية مدتها أربع ثوانٍ فقط.
شغّلتها.
خرج صوتها منخفضًا، ومعه ذلك الصفير الخفيف في النفس، الصفير الذي كنت أظنه طوال خمس سنوات مجرد ربو.
قالت
لا ترسلين شي هسه يا بنتي. انزلي. أنا بمصلى المستشفى. قبل لا تسوين غلطة، خليني أگولج الحقيقة. كلها.
بقيت يداي ملتصقتين بالمقود.
كان بإمكاني أن أشغّل السيارة وأغادر.
كانت الحسابات مجمدة.
كان البيت باسمي.
وكانت الشركة باسمي.
كان لدي كل شيء يكفي لأدفنهم في الڤضيحة والخسارة، ولا أرى وجوههم مرة أخرى.
لكنني نزلت.
لأنها كانت الوحيدة في تلك العائلة التي قالت لي خلال خمس سنوات
يمّه.
وكنت قد صدقتها.
ولأن جزءًا مني، سامحني الله، كان يريد أن يسمعها تتوسل.
كان مصلى المستشفى فارغًا.
رائحته خليط من ورد ذابل ومعقمات.
كانت الحاجة أمينة جالسة على آخر مقعد، ترتدي عباءة خفيفة فوق ملابسها، وبدت أصغر مما أتذكر، كأن ليلة واحدة جعلتها تنكمش كلها.
قالت لي
اقعدي. ولا تقاطعيني، لأن نفسي ما يساعدني أعيد الكلام.
جلست.
قالت
أبوچ كان مديون للحاج جاسم.
تجمدت في مكاني.
أكملت
مبلغ كبير. من أيام ما خسرتوا محل الأثاث قبل سبع سنين. تقريبًا مليارين دينار.
شعرت أن المقعد تحرك من تحتي.
قالت
البيت اللي إنتِ تعتقدين أبوچ ورثه إلچ، كان مرهون عدنا كضمان. جاسم كان يگدر ياخذه بأي وقت. وأبوچ وأمچ بداخله.
قلت لها بصوت مخڼوق
تكذبين.
لكنني في داخلي كنت أعرف أنها لا تكذب.
قالت
يوم جاسم گال لأبوچ إنه يسامحه بكل الدين إذا تزوجين سيف، أبوچ نزل على ركبته. تتذكرين دموعه يوم العرس؟ إنتِ حسبتيها دموع فرح.
لم أقل شيئًا.
تذكرت عينيه الحمراوين وهو يسلمني من ذراعي.
دير بالك عليها يا ولدي.
أنا أيضًا بكيت يومها.
ظننت أنه أب طيب يودع ابنته الوحيدة.
لم يكن يسلمني إلى زوج.
كان يسلمني كدفعة سداد.
قالت الحاجة أمينة وهي تخفض رأسها
أبوچ باعچ يا بنتي... وأنا خليته يسويها.
كان يجب أن أقف وأغادر.
لكنني لم أفعل.
بقيت ملتصقة بذلك المقعد وقتًا طويلًا، أحدق في صورة دينية معلقة على الجدار، لا أشعر بشيء وأشعر بكل شيء في الوقت نفسه.
وبينما كانت تتنفس بذلك الصفير الخفيف، مرّ في رأسي أبشع شيء في هذه القصة كلها.
أبشع من المال.
وأبشع من البيت.
تذكرت زفافي.
تذكرت عندما تصافح أبي والحاج جاسم خلف القاعة، مصافحة طويلة وجادة، كأنها صفقة وليست فرحًا.
رأيتهما.
كان عمري ستة وعشرين عامًا، ورأيتهما.
وقلت لنفسي وقتها
غريب.
ثم التفتّ لأرقص.
وتذكرت أن سيف، طوال خمس سنوات، لم يسألني مرة واحدة كيف كان يومي.
ولا مرة.
وكنت أبرر لنفسي أن الرجال الجادين هكذا.
الأبشع لم يكن أنني اكتشفت أنهم باعوني.
الأبشع أنني، وأنا جالسة في ذلك المصلى، فهمت أنني في أعماقي